تتلقف التقنيات الحديثة دائما الأحدث سنا!
هذه حقيقة لا يمكن تجاهلها فالأطباء الشباب هم الأقدر على التواصل مع الأجهزة الحديثة، وحينما تبتكر شركة ما منتجا جديدا يكون المراهقون أول من يسارع إلى اقتنائه، كما أن الشباب هم الأكثر اهتماما بالتقاليع وتتبع خطوات الموضة في كل مجال، وهذا هو ذات الحال في الإنترنت ذلك العالم الذي يخلب ألباب الكبار بتنوعه وزهائه فما بالنا بعقول الصغار وخاصة من هم في سن المراهقة منهم.
والحقيقة أن خطر الإنترنت في هذا الجانب مضاعفة، ويعود السبب في ذلك إلى تلك الفجوة بين الأجيال والتي توفر بيئة خصبة لاندماج الأحداث ومن هم دون سن المسئولية في أنشطة لا يعلم عنها آباؤهم شيئا، وهي حقيقة أكدتها دراسات عالمية عديدة أشرت إليها في مرات عديدة، ولكنني أحب أن أشير إلى هذا الأمر من زاوية أخرى اليوم.
فقد أوضحت دراسة بريطانية أجريت مؤخرا أن نحو 60 بالمئة من الأطفال الذين يدخلون غرف الدردشة بهدف التعارف يجهلون هوية من يتحدثون إليه. وقالت رئيسة فريق البحث الذي أجرى الدراسة في وحدة أبحاث الانترنت في جامعة لانكاشاير المركزية إن هناك انخفاض في العدد الكلي لمستخدمي غرف الدردشة. لكن هذه النسبة تزايدت بالنسبة لغرف الدردشة التي تؤدي في النهاية إلى إجراء لقاءات شخصية".
وقالت إن العديد من الأطفال الذين لايزالون يستخدمون غرف الدردشة يتعرضون للعديد من المخاطر علاوة على أنهم لا يتقيدون بموانع اجتماعية وعلى الأرجح يتجاهلون التحذيرات بهذا الشأن ويلتقون بالأشخاص الذين يتحدثون إليهم عبر الإنترنت، وهذه هي الفجوة الاجتماعية والثقافية التي طالما تحدثنا عنها.
وفي اليابان أوضحت الأرقام التي جمعتها هيئة الشرطة الوطنية اليابانية المعنية بشؤون الجرائم المرتبطة بالتواعد عبر الانترنت ومواقع الدردشة أن المخاطر حقيقية. وأوضحت هذه الأرقام أن جرائم الأطفال المرتبطة بمواقع أخذ مواعيد للقاءات الشخصية بين عامي 2001 و2002 ازدادت بمعدل 190 بالمئة. وهي نسبة رهيبة أعتقد أنها تضاعفت أكثر في السنوات الأخيرة وحذرت من أن الطريقة المثلى في تغيير سلوك هؤلاء الأطفال ليست في محاولة منعهم من استخدام غرف الدردشة لأن هذه الطريقة قد تأتي بنتائج سلبية وتجذبهم أكثر إلى استخدام هذه الغرف بدلا من تجنبها.
وأشارت إلى أنه بدلا من ذلك فإن الآباء بحاجة إلى مشاركة أطفالهم فيما يفعلونه على الإنترنت. وأظهرت الدراسة أن أي نصيحة تعطى للأطفال يجب أن تتناسب أيضا مع الأغراض المختلفة التي تستخدم فيها شبكة الانترنت.
وقد أظهر هذا البحث مفارقة عجيبة حيث تم اكتشاف أن عددا أقل من الأطفال يعترفون بتفاصيل حياتهم الشخصية في غرف الدردشة لكن عددا أكثر كان يضع هذه التفاصيل في رسائل البريد الإلكتروني!! وهو ما يجعل المخاطر التي يتعرضون إليها أكيدة!
وكثير منا ينظر إلى الإحصائيات الأجنبية والدراسات الغربية باعتبارها تتيح معلومات عن عالم يقع فيما وراء البحار، عالم آخر تفصله عنا أسوار من الثقافات والعادات والقيم المختلفة، وقد يكون هذا صحيحا في بعض الأحيان ولكنه ليس كذلك فيما يتعلق بالإنترنت.
فكثير من الدراسات الاجتماعية التي تنصب على الظواهر المرتبطة بالإنترنت تصدق نتائجها في عالمنا العربي تماما كما تصدق في البيئة التي أجريت فيها، والأكثر إثارة أن نتائج هذه الدراسات فيما يتعلق بهذه النقطة تحديدا "الفجوة بين الأجيال فيما يتعلق باستخدام الإنترنت"، تصدق في بيئتنا العربية أكثر، وإذا كانت الأبحاث الغربية تتحدث عن جهل الآباء بحيل الأبناء للهروب من الرقابة وكسر الحجب والسعي إلى الاستخدام غير الآمن للإنترنت في أغراض غير مشروعة، فإن الوضع هنا أخطر وأشد ضراوة، ويشير إلى حالات يجهل فيها الآباء قواعد القراءة والكتابة أصلا في مواجهة جيل من الأبناء يحترف ممارسة كافة مهارات الإنترنت.
من العجيب إذن أن تكون الإنترنت التي ساهمت في إذابة الفوارق بين الشعوب، وسمحت لأطفال العرب الحديث مع أخلاء الإنترنت في أي بقعة من بقاع العالم هي ذاتها التي تبني تلك الأسوار العالية المنيعة بين أبناء البلد الواحد، بل وبين الآباء والأبناء في الأسرة الواحدة.
وتحقيق الانفراد بالضحية في بيئة الإنترنت مهمة سهلة، وتسهلها عملية الانعزال والاستعداد السلوكي للمستخدم المراهق للإنترنت، حيث يختار الشاب أغلب لحظات الانسجام مع الإنترنت ليلا، وفيها يرتدي رداء غير الذي يرتديه صباحا، ويتقمص شخصية تختلف تماما عن تلك الشخصية التي يعامل بها ذويه وآله عادة، باختصار يتحول الشاب وتتحول الفتاة إلى "شيء" آخر، جاهز تماما لممارسة كافة صنوف الاستدراج والإثارة والتتبع.
وتقول الأبحاث الأجنبية أن أول خطوة في خطوات محاربة مخاطر استدراج الأطفال سواء للاستغلال الجنسي، أو الانحراف الفكري، هو إدراك أولياء الأمور لهذه المخاطر تمهيدا للمساهمة في كيفية وضع الحلول لها عن طريق مشاركة الأبناء في أنشطتهم على الشبكة وعدم تركهم فريسة سهلة لوحوشها المتنكرين في ثياب البراءة والصداقة ينسجون حولهم خيوط المؤامرة الكبرى.
أما أبرز ما أزعم أنه أهم الأسباب التي تدعو إلى التركيز على هذه المشكلة في عالمنا العربي هو أن هناك من يطمئن من الآباء إلى الإجراءات الحكومية الوقائية التي تنتهجها الدولة للحيلولة قدر الإمكان دون تمكن مفاسد الإنترنت من عقول الأبناء، ولكن هذا الاتجاه لا يعبر بحال من الأحوال عن الحقيقة، فالإجراءات الحكومية رغم أهميتها إلا أنها ليست كافية ، والاعتماد عليها وحدها يعني زيادة الطين بلة في كثير من الأحوال, فالممنوع مرغوب وما أسهل طرق التحايل والقفز فوق الأسوار!
ولذلك فإنني أعود لأقول أن حال مراهقينا ليس أفضل من حال مراهقي الغرب، إن لم يكن أسوأ، فالفجوة لدينا ليست أكثر عمقا فقط بل من المتوقع أن تمتد لأجيال أخرى، يدفع فيها الأطفال أيضا ثمن التقنية الباهظ!