وداعاً يا شهر يا رمضان وداعاً يا شهر الخيرات والإحسان
دع البكاء على الأطلال والدار ** واذكر لمن بات من خل ومن جار
واذر الدموع نحيباً وابك من أسف ** على فراق ليال ذات أنوار
على ليال لشهر الصوم ماجعلت ** إلا لتمحيص آثام وأوزار
يا لائمي في البكا زدني به كلفاً ** واسمع غريب أحاديث وأخبار
ما كان أحسننا والشمل مجتمع ** منا المصلي ومنا القانت القاري
**
وداعاً يا شهر يا رمضان ! وداعاً يا شهر الخيرات والإحسان ! وداعاً يا ضيفنا الراحل ! مضى كثيرك ولم يبق بين أيدينا منك إلا أيام قلائل ، عشر تجاورنا اليوم وهي إلى الرحيل أقرب من البقاء ، ولئن قال ابن رجب في لطائفه عند الفراق : ياشهر رمضان ترفّق ، دموع المحبين تدفّق ، قلوبهم من ألم الفراق تشقّق . عسى وقفة للوداع تطفيء من نار الشوق ما أحرق ، عسى ساعة توبة وإقلاع ترقع من الصيام ماتخرّق ، عسى منقطع من ركب المقبولين يلحق ، عسى أسير الأوزار يُطلق ، عسى من استوجب النار يُعتق . اهـ فما أحرانا بتدبّر قوله ، وفعل يطفيء حرارة الوداع .
أيها الشباب قبل أن تُشيعوا ضيفكم الميمون عودوا إلى أنفسكم حفظكم الله وتأملوا ماذا قدّمتم بين يديه ؟ وما هي الأسرار التي بينكم وبين ربكم في أيام شهركم وسيرحل بها رمضان ؟
هاتفني شاب في رمضان بعد سماع إحدى المواعظ وحدثني في الهاتف حديث طويل أذكر من قوله : أشعر من حديثكم أنكم تشعرون بفقد الشهر ، وتتحسّرون على فوات أيامه ؟ فلماذا أنا لا أشعر بذلك ؟وبعد حديث طويل عن سر فقد الفرحة في قلب من يحاورني قال لي : عفواً أخي فيشهر رمضان أسررت المعصية ، وتجاهلت الطاعة ، وكم هي المرات التي لا أشهد فيها صلاةالتراويح ، وإن شهدتها فصورة بلا معنى ، وحركات بلا روح ، القرآن عهدي به من زمنبعيد ، وقد حاولت أن أمد يدي إليه مع جملة الذاكرين لكن نفسي حبستني عن الاستمراروهاأنا لا زلت في بدايته إلى اليوم .
أما المعصية فتدفعي لها نفسي دفعاًحتى أنني واقعت أنواعاً من المعاصي مراراً في شهر رمضان فعيني تخطّت ستار المعروفواجتالت في حرمات الله تعالى ، وأذني أبت إلا أن تتجاوز حدها الشرعي فانتهكت ماحرمالله ، ونفسي التي بين جنبيّ جاهدتها كثيراً فكابرت ومانعت واستعصت علىّ ، بل مازالت بي حتى أوقعتني في الفاحشة .....
ومازال يحدّث حتى انهار باكياً ،واستعبر أمامي في البكاء ، وأخذ يردد أثناء حديثه أخشى أن لا أكون ممن غفر الله لهم، أو تقبّل منهم ، أخشى أن يختم الله لي بخاتمة السوء ! فأصبح أسير أحزاني ! أنالست وحيداً في طريق اليأس فكثير من الشباب أمثالي ، فما زلت به أخفف عنه هذه الآلامحتى عاد يسمع حديثي من جديد فقلت له أخي الشاب لازال في الأمل فسحة ، وفي الوقتبقية ، والعبرة بالخواتيم . وأنا وإياك نشهد هذه العشر المباركة فهل يمكن أن تضعيدي في يدك وتعاهدني على المسير فقال أي والله مسير يعيد لي الفرحة والبسمة فيحياتي من جديد لم لا أقبل به ؟ ولما لا أعيشه وقد عشت كل معاني الحرمان في المعصيةوالدأب عليها ؟ فقلت له أقبل حفظك الله إلى حديث ، أرعني سمعك ، وجُد علىّ بشيء منوقتك فعندي سر السعادة التي تنتظرها ، عندي لك قول الله تعالى : { قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن اللهيغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم}
دواء للمنكسرين من أمثالك لكن بشرطها الوحيد : التوبة الصادقة التي رأيت من آثارها أثر الدموع بين عينيك .
وعندي لك قول رسولك صلى الله عليه وسلم : « لله اشد فرحاً بتوبة عبده عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة ،فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها ، فأتى شجرة قاضطجع في ظلها ، وقد أيسمن راحلته ، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح» متفق عليه من حديث أنس .
إذاً لم يبق عليك حفظك الله إلا الإقبال على ما بقي من شهرك إذ هذه الأيامهي الخاتمة ، وهي سر الشهر ، وأفضل أيامه على الإطلاق ، فهذا رسول الله صلى اللهعليه وسلم تقول عنه عائشة رضي الله عنها : « كان النبي صلىالله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل ، وأيقظ أهله ، وجدّ ، وشد المئزر» ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة .
هذه الليلةالعظيمة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : « منقام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ماتقدم من ذنبه» متفق عليه من حديث أبي هريرة .
وقد أخبر الله عن هذه الليلة أنها خير من ألف شهر فيكتابه المبين فقال تعالى : { إنا أنزلناه في ليلة القدر . وماأدراك ماليلة القدر . ليلة القدر خير من ألف شهر}
وأخبر رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أن هذه الليلة في ليالي العشر حين قال صلى الله عليه وسلم : « تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان » أقبل على عشر رمضان حفظك الله بكل جهدك وقوتك واحرص على أن يكون ختام شهرك ختاماً حياً مباركاً ، تزوّّد فيها بالطاعات ، احرص على الفريضة مع الإمام والله الله أن يشهد الله عليك أو حتى أحد من خلقه تخلُفاً عن الجماعة بنوم أو كسل ، إلزم النافلة القبلية والبعدية ، واحرص على أداء صلاة التراويح والقيام مع جموع المسلمين ، ولا زم فيها دعاء : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني فهي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين . أكثر من قراءة القرآن ، ونوّّع في القراء مابين حدر وترتيل ، ولتكن عنايتك بالتدبّر لآيات القران الكريم فإن في ذلك خير كثير . قم برعايتك والديك وقبّل رأسهما كل مساء ، والزمهما بالطاعة والبر فإن ذلك من أعظم فرص استغلال شهر رمضان .
صل أرحامك ، وتعاهد جيرانك فإن ذلك من خلق المسلم .
وإنني إذ أدعوك إلى التمعّّّن في هذه الأحاديث إنما أدعوك للتحرر من الكسلواستقبال الآخرة ، والإقبال على عشر رمضان الأخيره ففيها بإذن الله تعالى سرالسعادة المرتقبة التي تبحث عنها ، وإنما حين أقرر لك أن هذا هو طريق السعادة آملمنك أن تجرّب هذا الطريق ولن تجد أجمل منه ولا أسعد على وجه هذه الحياة ، وهؤلاءالذين تراهم في مجتمعك تبرق أسارير وجوههم يالاستقامة هم كانوا مثل ما أنت فيه الآنمن الحيرة والاضطراب ، والهم والغم ، وخاضوا هذه التجربة في بداية حياتهم وحينماوجدوا المفقود والسر الغائب في حياتهم قرروا التوبة ، وهم اليوم وكل يوم يرددون قولالقائل : والله إنها لتمر بي ساعات يرقص فيها القلب فرحاً من ذكر الله .
ويلهجون بقول الله تعالى : { قل بفضل الله وبرحمتهفبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} وفقك الله وسدد خطاك وعلى طريق الخير بإذن الله تعالى نلقاك